عبد الكريم الخطيب
996
التفسير القرآنى للقرآن
وهناك جانب آخر من الإنسان فيما يتصل بأوامر اللّه ونواهيه ، وهو الجانب الذي يمسّ المجتمع الذي يعيش فيه ، والذي تحكمه أوامر هذا الدين الذي يدين به ، وهو الجانب الظاهر ، الذي يتمثل في الاستماع لأولى الأمر والطاعة لهم ، وتقديم المال المطلوب منه فيما يبدو من ظاهر حاله لولىّ الأمر . . وهذا يعنى ألا يقف المسلم عند قوله تعالى : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وأن يجعل تقديره لاستطاعته ، حكما ملزما لولىّ الأمر . فإذا دعى من ولى الأمر إلى الجهاد مثلا ، فلا يتعلل بأنه مريض ، أو ضعيف ، وإن كان في الواقع مريضا أو ضعيفا ، بل يجب أن يسمع ويطيع ، على ما به من مرض أو ضعف . . فإن سمعه وطاعته في تلك الحال شاهدان يظاهران ما هو عليه من مرض أو ضعف ، وهذا من شأنه أن يجعل ولىّ الأمر هو الذي يعفيه من الجهاد ، ويعزله عن ركب المجاهدين . . أما إذا أبى أن يسمع أو يجيب ، كان ذلك مثار فتنة لغيره ، ثم كان موضع تهمة له بأنه يتصنع المرض أو الضعف ، حتى يتحلل من الاستجابة للجهاد الذي يدعوه إليه ولى الأمر . . وكذلك الشأن في الإنفاق في سبيل اللّه ، وهو أنه من الواجب أن ينفق المرء في سبيل اللّه من غير دعوة ، فإذا دعى من ولّى الأمر كان عليه أن يجيب ، وأن يقدم المطلوب منه ، من زكاة أو نحوها . . وقوله تعالى : « خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ » . . يجوز أن يكون مفعولا به للفعل « أنفقوا » أي أنفقوا مالا ، أو نحوه ، مما هو خير ، ونافع ، ويكون الجار والمجرور « لأنفسكم » متعلقا بقوله تعالى « خيرا » أي أنفقوا خيرا لأجل أنفسكم . . وعبّر عما ينفق بلفظ الخير ، لأنه خير في ذاته ، وهو خير لمن ينفق من أجله ، وهو خير لمن ينفقه . .